كلمة رئيس الجامعة الدكتور عيسى بن حسن الأنصاري في منتدى الاستشراف الاستراتيجي للكفاءات العالمية للشباب والتعلم مدى الحياة
كلمة رئيس الجامعة الدكتور عيسى بن حسن الأنصاري في منتدى الاستشراف الاستراتيجي للكفاءات العالمية للشباب والتعلم مدى الحياة

 
"بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير المرسلين. أصحاب المعالي والسعادة، السيدات والسادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
يجمعنا هذا المنتدى للنظر في مستقبل الشباب. وأرى أن نقطة البداية هي مسؤوليتنا نحن مؤسسات التعليم التي يعبر عنها سؤال أساسي: كيف نعد شبابنا لعالم لا نعرف تمامًا كيف سيكون؟
 
فالشاب الذي ينهي تعليمه من المؤسسة التعليمية سواء من مرحلة التعليم العام أو الجامعي يحمل معه حصيلة من المعارف والقدرات اكتسبها خلال سنوات دراسته لكنه يدخل بعد تخرجه عالمًا مختلفًا، سريع التغير، تتدفق فيه المعلومات بصورة هائلة، وتتجدد فيه المعرفة باستمرار، ويعيد فيه الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة تشكيل التعليم والعمل والاقتصاد والمجتمع.
 
وفي ظل هذه التحولات، لا تتوقف مسؤوليات الشاب عند التكيف مع عالم متغير، بل نطلب منه أن يكون شريكًا في تحقيق رؤية وطنه، وأن يسهم في تنمية مجتمعه واقتصاده، ويتعامل مع قضايا عالمية تتجاوز الحدود، ويشارك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتشعباتها المعقدة.
 
وللإجابة عن سؤالنا الرئيسي علينا أولًا أن نسأل: هل تكفي المعارف والقدرات التي اكتسبها الشاب خلال دراسته لمواجهة هذه التحولات وأداء الأدوار التي نتطلع أن يقوم بها؟ في تقديري، قد لا تكون هذه الحصيلة كافية. ومن هنا تظهر الفجوة بين ما يملكه الشاب اليوم وما تتطلبه منه الحياة غدًا. وتبدأ مسؤوليتنا بالاعتراف بهذه الفجوة، وتحديدها بدقة، وفهم طبيعتها، ثم بناء التعليم القادر على سدها. ويقتضي ذلك تمكين الشاب من قدرات التعلم المستدام، وتنمية التفكير النظمي لديه، وتعزيز قدرته على الاستشراف.
 
فالقدرات تجعل التعلم مستمرًا بعد انتهاء الدراسة، وتمكن الشاب من توظيف معرفته وتجديدها، والتعلم بصورة مستقلة، والتكيف والتحليل والتواصل والتعاون وحل المشكلات. وهذه القدرات لا تحل محل المعرفة، فالمعرفة تظل أساسًا لا غنى عنه.
 
ولكي يوظف الشاب هذه القدرات بوعي، يحتاج إلى التفكير النظمي الذي يمكنه من النظر إلى ما وراء المعلومة المفردة، وفهم العلاقات والأسباب والنتائج، والنظر إلى القضايا من زوايا متعددة، وإدراك أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتقنية أجزاء من منظومات مترابطة.
 
ثم ننتقل إلى الاستشراف الاستراتيجي الذي لا يعني التنبؤ بالمستقبل أو الادعاء بمعرفة ما سيحدث، وإنما تعليم شبابنا قراءة مؤشرات التغيير، والتفكير في الاحتمالات، وبناء سيناريوهات مختلفة والاستعداد لها. والأهم أن يدركوا أن المستقبل ليس شيئًا ننتظره فحسب بل نستطيع أن نشارك في صناعته.
 
ومن هنا يتضح مسار يمكن أن يسهم في سد الفجوة التي ذكرناها: قدرات التعلم المستدام تمكن الشاب من مواصلة التعلم، والتفكير النظمي يعمق فهمه للعلاقات والمشكلات، والاستشراف يوسع قدرته على استكشاف الاحتمالات والاستعداد لها. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الشاب أكثر استعدادًا للمستقبل، وأكثر قدرة على الإسهام في صناعته.
 
ولتمكينه من هذه العناصر علينا مراجعة فلسفة التعليم نفسها، بما يشمل المناهج وطرائق التدريس والتقويم وأدوار المعلم والطالب، فتعديل المقررات وحده لا يكفي. والسؤال ليس فقط: ماذا نريد من الطالب أن يعرف؟ بل: ماذا نريد منه أن يكون قادرًا على فعله بما يعرف؟ وكيف نجعله باحثًا عن المعرفة، وشريكًا في بنائها، وناقدًا لها؟
 
وهذه المراجعة لا تقتصر على كيفية تعليم الشاب، بل تشمل مراجعة الغاية التي نعده من أجلها؛ فبعض الجامعات تختزل وظيفتها الرئيسة في إعداد الخريجين وفقًا لاحتياجات سوق العمل، بل يفخر بعضها بأن مناهجها صممت لتلبية تلك الاحتياجات، وتتخذ من مواءمة مخرجاتها مع متطلبات السوق معيارًا لنجاحها.
 
فإعداد الطالب لسوق العمل مسؤولية أساسية، لكنه لا يستوعب رسالة المؤسسة التعليمية وخاصة الجامعة. فرسالة الجامعة أبعد من ذلك بكثير، فهي إعداد الشاب لمتطلبات الحياة. فالعمل جزء من هذه الحياة وليس الحياة كلها. نحن لا نعد موظفًا فحسب، بل إنسانًا قادرًا على التعامل مع عالم متغير.
 
ومن هنا، فإن تعزيز الهوية وترسيخ القيم جزء أصيل من مسؤولية الجامعة. فنحن نريد شابًا منفتحًا على العالم، راسخًا في هويته، قادرًا على التفاعل مع الثقافات المختلفة بوعي واحترام، ومتمكنًا من التقنية دون أن يكون أسيرًا لها، ومواطنًا عالميًا يعتز بانتمائه ويتحمل مسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.
 
ولعل الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به ليست في أن نخبر شبابنا كيف سيكون العالم، بل في أن نمنحهم القدرة على التعلم مهما تغيرت المعرفة، والتفكير مهما تعقدت المشكلات، والاختيار مهما تعددت البدائل، والتمسك بقيمهم وهويتهم مهما اتسع العالم، واستشراف المستقبل والمشاركة في صناعته. وعندها، لن نكون قد أعددنا شبابنا لوظائف المستقبل فحسب، بل سنكون قد أعددناهم للحياة في المستقبل وللمشاركة في بنائه.
 
وختامًا، أتقدم بالشكر إلى وزارة الرياضة والشباب بدولة قطر الشقيقة ومنظمة الإيسيسكو، وسائر الجهات المنظمة والمستضيفة على جهودهم في إقامة هذا المنتدى، متمنيًا لأعماله النجاح وتحقيق أهدافه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".